محمد بن جرير الطبري

500

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : " وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون " ، فكان الذي أبدَوْا حين قالوا : " أتجعل فيها من يفسد فيها " ، وكان الذي كتموا بينهم قولهم : لن يخلق ربّنا خلقًا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم . فعرفوا أن الله فضّل عليهم آدم في العلم والكرم ( 1 ) . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس ، وهو أن معنى قوله : " وأعلم ما تُبدون " ، وأعلم - مع علمي غيبَ السماوات والأرض - ما تُظهرون بألسنتكم ، " وما كنتم تكتمون " ، وما كنتم تخفونه في أنفسكم ، فلا يخفى عليّ شيء ، سواءٌ عندي سرائركم وعلانيتكم . والذي أظهروه بألسنتهم ما أخبرَ الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوه ، وهو قولهم : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبِّح بحمدك ونقدس لك " ؛ والذي كانوا يكتمونه ، ما كان منطويًا عليه إبليس من الخلاف على الله في أمره ، والتكبُّر عن طاعته . لأنه لا خلاف بين جميع أهل التأويل أن تأويل ذلك غيرُ خارج من أحد الوجهين اللذين وصفت ، وهو ما قلنا ، والآخرُ ما ذكرنا من قول الحسن وقتادة ، ومن قال إن معنى ذلك كتمانُ الملائكة بينهم لن يخلق الله خلقًا إلا كنا أكرم عليه منه . فإذ كان لا قول في تأويل ذلك إلا أحد القولين اللذين وصفت ، ثم كان أحدهُما غيرَ موجودةٍ على صحته الدّلالةُ من الوجه الذي يجب التسليم له - صح الوجهُ الآخر . فالذي حكي عن الحسن وقتادة ومن قال بقولهما في تأويل ذلك ، غيرُ موجودةٍ الدلالةُ على صحته من الكتاب ، ولا من خبر يجب به حجة . والذي قاله ابن عباس يدلّ على صحته خبرُ الله جل ثناؤه عن إبليس وعصيانه إياه ، إذْ دعاه إلى السجود لآدم فأبى واستكبر ، وإظهارُه لسائر الملائكة من معصيته وكبره ، ما كان له كاتمًا قبل ذلك . فإن ظن ظانٌّ أنّ الخبر عن كتمان الملائكة ما كانوا يكتمونه ، لمّا كان

--> ( 1 ) الأثر : 684 - في ابن كثير 1 : 135 .